معالي الدكتور عزمي محافظة، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي المحترم،
تحية طيبة وبعد،
قبل سنوات، حين كنت وزيرًا للتربية والتعليم، وقعت حادثة غرق لطلبة إحدى المدارس إثر فتح أحد السدود وتدفق المياه، ما أدى إلى وفاة عدد من الطلبة. ورغم أن الحادثة لم تكن بعلمك أو نتيجة مسؤولية مباشرة منك، فإنك اتخذت موقفًا جريئًا بتقديم استقالتك، فسجّلت موقفًا قدّره الناس وأثنوا عليه.
وها نحن اليوم نشهد نوعًا آخر من المعاناة التي يعيشها الطلبة، يتمثل في الحيرة التي تنتابهم إزاء خياراتهم الدراسية، ووضعهم في مواجهة قرارات وتوجهات تبدو، في نظر كثيرين، وكأنها تجارب ارتجالية لم تُدرس آثارها بما يكفي، ولا سيما أنها تمس مستقبلهم الأكاديمي والمهني. وهي قرارات تصدر باسم الوزارة وتحمل توقيع الوزير، حتى وإن كانت تُعرض عليه من قبل مساعديه ومستشاريه.
إن اتخاذ قرارات ثم التراجع عنها أو تجميدها يثير تساؤلات مشروعة لدى الطلبة وأولياء أمورهم، ويزيد من حالة القلق وعدم اليقين بشأن مستقبل العملية التعليمية.
قرارات تربوية تستدعي المراجعة
معالي الوزير،
أستذكر لقاءً عفويًا جمعني بك عند افتتاح مبنى مدرسة أم كلثوم في حوارة، بحضور عطوفة محافظ إربد آنذاك رضوان العتوم، وسعادة النائب شاهر الشطناوي، وعطوفة مديرة التربية والتعليم للواء القصبة آنذاك الأستاذة هدى الشطناوي.
وقد سألتك يومها عن أسباب اتخاذ قرار تأنيث الكادر التعليمي للمرحلة الابتدائية، من دون أن يتضح لي كيف جرى التعامل مع آثار هذا القرار على فرص المعلمين الذكور ومستقبلهم الوظيفي. وقد أشفقت عليك حينها من تقديم إجابة قد لا تكون مقنعة للجميع.
كما شهدت فترة توليك الوزارة قرارات طالت بنية المناهج الدراسية، من خلال إدخال مفاهيم أرى أنها لم تكن منسجمة بالقدر الكافي مع احتياجات المجتمع وقيمه، وأثارت تساؤلات حول مدى ملاءمتها للبيئة التربوية الأردنية.
ومن بين القرارات التي تستحق التوقف عندها، إسناد امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة إلى شركة بيرسون البريطانية، إلى جانب قرار عقد امتحان الثانوية العامة على مدى سنتين، وهو قرار أرى أنه يحتاج إلى مراجعة جادة ودراسة دقيقة لآثاره على الطلبة وأسرهم.
كذلك، فإن قرار إلغاء الامتحان الشامل لطلبة الدبلوم المتوسط يثير تساؤلات بشأن مبرراته والبدائل التي ستضمن تقييمًا عادلًا لمخرجات التعليم المتوسط.
ويضاف إلى ذلك تغيير مسمى الوزارة وحذف عبارة «التعليم العالي» منه، رغم أهمية هذا القطاع وارتباطه الوثيق بمنظومة التعليم الوطنية.
الاستماع إلى الأهالي والاستعانة بأصحاب الخبرة
معالي الوزير،
إن النصيحة أمانة، والمنصب العام مسؤولية تقتضي الإصغاء إلى مخاوف المواطنين ومراجعة القرارات التي تمس مستقبل أبنائهم. وقد نلت شرف المسؤولية وما يرتبط بها من امتيازات، ومن حق الطلبة وأولياء أمورهم أن يجدوا في وزارتكم قرارات واضحة ومستقرة، تستند إلى دراسات تربوية رصينة، لا إلى اجتهادات متسرعة أو تغييرات متكررة تزيد الأعباء عليهم.
إن ما نسمعه من الأهالي يعكس قلقًا حقيقيًا على مستقبل أبنائهم، وما يواجهونه من حيرة بسبب القرارات المتعلقة بمساراتهم الدراسية ومتطلبات امتحاناتهم. وهذا يستدعي البحث عن حلول مدروسة، بمشاركة تربويين وأكاديميين من ذوي الخبرة، ممن أسهموا في تطوير التعليم ووصول العملية التربوية في الأردن إلى مستويات متقدمة جعلتها محل تقدير في المنطقة.
ومن الضروري أن تكون القرارات التعليمية ثمرة حوار مهني واسع، تشارك فيه الكفاءات التربوية التي تمتلك المعرفة الميدانية والخبرة المتراكمة، مع الاستماع إلى الطلبة وأولياء أمورهم، ودراسة النتائج المتوقعة لأي تغيير قبل تطبيقه.
لكل ميدان أهله وخبراؤه
ومن الجدير بالذكر أن لكم خبرة في ميدان العلوم الصحية، وهو مجال له تخصصاته وخبراؤه، كما أن للتربية والتعليم دهاليزه وشعابه الكثيرة التي تحتاج إلى معرفة عميقة بطبيعة العملية التعليمية وتحدياتها. وكما يقال: «أهل مكة أدرى بشعابها».
وهذا ما يدفعني إلى التماس العذر لكم في بعض ما تواجهونه من تحديات، ولا سيما في ظل ما أراه من تراجع حضور عدد من أصحاب الخبرة التربوية في مواقع صنع القرار داخل الوزارة. غير أن المسؤولية تقتضي تعزيز الاستعانة بهذه الخبرات، وإفساح المجال أمامها للمشاركة في وضع السياسات وتقييم آثارها.
إن الخيار في نهاية المطاف يبقى لكم، معالي الوزير، لاتخاذ ما ترونه مناسبًا لمصلحة أبنائنا الطلبة، وبما يطمئن أولياء الأمور، ويحافظ على استقرار المنظومة التعليمية، ويضمن أن تكون القرارات التربوية مبنية على المعرفة والتخطيط والتقييم المستمر.
أسأل الله أن يوفقكم لما فيه خير الوطن وأبنائه، وأن يحفظ أردننا العزيز، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وشعبه الواعي، وأرضه الخصبة المعطاءة.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.
الدكتور عبدالكريم الشطناوي

